الجمعة، 3 مارس، 2017

السيرة الذاتية لبنت الشريف : تجربتي مع المرض العقلي .

لقد فكرت كثيرا في جدوى نشر هذه التدوينة , هذا جزء من حياتي الذي لا أريد أن أنساه , هذه التجربة أعادت لي رغبتي في الحياة بالرغم من أنها تحكي عن الموت , عرفت خلال هذه التجربة حقيقة مشاعري تجاه الكثيرين , و مشاعرهم تجاهي , و قررت نشرها بتفاصيلها الحقيقية , لأنني لا أشعر بالحرج أو القلق تجاهها , قد يكون هنالك من يفكر في وضع حد لحياته , هنالك دائما أمل , والقليل من العدل يصلح الكون .
نوفمبر 2012 ... أنت مجنونة! أنت معتوهة! هل فقدت عقلك ؟!.. لن أنسى .

أنا لست غبية , أنا لست شريرة , أنا مجروحة , لا أعلم ماذا يحدث في عقلي وأنا أخشى على نفسي وعليكم جميعا , أنتم لا تعلمون قدرتي على التخلّي عن قدرتي على التعاطف معكم , أحيانا حتى وجوهكم تبدو غريبة عنّي .. لا أعرفها! لذلك أهاجمكم .

ولكنني لازلت هنا , حاولو أن تجدوني , لا تزيدوا عمق هذا القبر , أنا هنا من الداخل , عقلي يحيط بي , حيطان سوداء دبقة ضيقة ... هذا ما أشعر به .. أحيانا أشعر بسرعة كل شيء , و في أحيان أخرى كل شي جامد , جامد بشكل مستفز .. إلا أنا ... لا أتوقف .. لا أريد أن أعرف كل هذا عن نفسي.. الوعي , الوعي , الوعي , الوعي , الوعي ...  


لا علاقة لي بهذا العالم أحيانا أنا مجرد طفلة , لازلت طفلة , كل شيء لطيف , كل شيء يثير فضولي , لكنني أعجز عن التواصل .. أعجز عن الخروج من صندوق هو جسدي , إلى العالم الذي يحيط بي . علي أن أقرر التعافي والاستمرار 1000 مرة خلال اليوم , و كل يوم , وحتى اليوم . كل شيء يعود لذلك اليوم , أنا في سكن جديد , مع ناس جدد , أخشى الغرباء , أبقي حاستي الحارسة يقظة وتعمل بكل قوتها , لماذا أحس بأن الجميع يريد أن يؤذيني أو يقتلني ؟

بعد أيام قليلة وأنا على شرفة عالية رأتني بارتل* , التقيتها على الدرج , طلبت مني الجلوس , وسألتني : ماذا كنت تفعلين هناك؟
- ساعديني , أنا أريد الإنتحار .. أنا لا أستطيع التوقف عن الكذب ...

بعد ساعة من الوقت , أنا لازلت أجلس على الكرسي , أراقب الأطفال يلعبون في الحديقة , فجأة! يقف أمامي رجلان بثياب برتقالية..
- يا آنسة! أنا فلان , أنا هنا لمساعدتك , أخبرنا بضرورة القدوم للمساعدة .
كل ما يدور في عقلي : اللعنة! اللعنة! لماذا تحدثت! قاطعني صوت صغير : توقفي عن الكذب , لا تنكري شيئا ... 

سمعته يشير لزميله بأن يحضر العدة الطبية , لا أبدو أنني أتواصل بشكل جيد مع العالم . فقلت له :
- ساعدني , أنا أريد الإنتحار ..
- يا أنسة ؟ هل بإمكانك تحضير حقيبتك ؟ يجب علينا أن ننقلك لمركز العناية ,
- فورا , لا انتظرني هنا..
لم ينتظرني , بل تبعني , وبقي واقفا أمام باب حجرتي , جمعت حقيبتي الصغيرة , واتجهت معه لسيارة الإسعاف .. وهو مصر على أن يمسك يدي , و أنا أمسك بيده , وكأنني أمسك بآخر شخص بقي على وجه الأرض .. 

في مكتب صغير , الطبيب العقلي , يبدو هادئا , وينتظرني , جلس أمامي , ركبتاه قريبتان جدا من ركبتي , سألني : بماذا تشعرين؟ فقلت له :
- أنا أريد الانتحار ... حدّق بي قليلا , وسألني : هل تشعرين بالحزن ؟ هل لديك عائلة ؟
- إنهم السبب , أنا لست حزينة , أنا لا أريد البقاء في هذا العالم , لا أريد الحياة , كل شيء انتهى .

بعد عدة اختبارات و أسئلة , رفع سماعة الهاتف , لم أفهم كثيرا ماكان يقوله , آن ذاك لم أكن أتحدث الألمانية جيدا .. 

جاءت طبيبة طويلة القامة بمعطف أبيض , معها بعض الأوراق , طلبت مني توقيعها لأنني سأدخل (وحدة علاج الاكتئاب*) .. وقعت الأوراق , سمحت لي بمكالمة هاتفية واحدة .. أحسست وكأنني رهينة معتقلة ! يسمح لك بمكالمة واحدة , دخلت إلى غرفة , أخذوا مني قنينة العطر , هاتفي الجوال , تركوا لي ملابسي , دفتري , وبضع أغراض أخرى .. وضعو ما أخذوا في سلة , و أقفلت الخزانة .. أتذكر آخر رسالة نصيّة أرسلتها : أنا في المستشفى

. ذلك الصوت المزعج داخل رأسي يصرخ : ها أنتِ أخيرا في المستشفى العقلي بسببهم ! لأنك لا تعرفين كيف تتصرفين ! كيف ستنفين أنك مجنونة بعد اليوم ؟ أتمنى أنهم يستحقون كل هذا العذاب!

لازالت فكرة الإنتحار تدق ناقوسا في عقلي , انتحري , الموت أفضل , لا يوجد أمل , لن يغفر لك أحد ولا أحد يريدك على أي حال , الموت أفضل من الإهانات , أفضل من الشتائم , أفضل من الكذب .

بعد ثلاثة أيام من المعالجة والعقاقير , وقعت أوراقا أخرى , قم تم إعطائي ورقة تحمل أسماء وعناوين لأطباء نفسيين , معالجين نفسيين , منظمات مسيحية للدعم النفسي , مجموعات دينية ..
لماذا سألجأ لمجموعة دينية أخرى ؟ إن الله قد تخلّى عنّي .. وتركني هنا ... عدت إلى غرفتي , حاولت التحدث معهم ولم يرغبوا بذلك! عند كل مرة ينقطع فيها الاتصال , توجه لي تهمة الدعارة! الدعارة ! الدعارة! أنا لا أعرف عنها شيئا ! أنا حتى أرفض كل مايتعلق بالجنس بسببها , دمرتم حياتي بتلك التهمة ! لماذا لا تخرسون ! لقد مللت من التقيؤ بعد كل مرة يضاجعني فيها زوجي , وأنا أغطي وجهي بيدي وأكرر : أنت لست عاهرة الآن , أنت لست عاهرة الآن..

مضت أيام تشبه بعضها , أحدق لعبوة العقار الخاص بالنوم , أحضرتها , أفرغت محتواها أمامي .. رميتها في سلة المهملات ... لدي زميلة في السكن تأخذ عقارا جيدا , تخبرني عنه كثيرا , دخلت غرفتها خلسة , سرقت الدواء , ابتلعت عقارا تلو الآخر , لم يحدث شيء , شربت كأسا تلو الكأس ... هاهو يحدث الآن ,أحس عقلي ينتشر حولي , جسمي ثقيل , كل الأصوات عالية! فجأة ... صمت رهيب , إني أرى الظلام يتجمع حولي , إلا بقعة واحدة ... أرى أبي , صديقتي التي فارقت الحياة , بيتنا , المحيط , حذائي الأحمر المفضل , ساحة المدرسة , أسماء كثيرة , ألوان كثيرة , الضوء , الظلام , إنه الموت ...

لا أتذكر شيئا , إلا أنني استيقظت في الليل , في مكان لا أعرفه! غرفة لها باب زجاجي عملاق , نوافذ عملاقة , في وقت متأخر من الليل ... نهضت , لازلت بملابس النوم , ماهذا المكان ؟ الحياة الآخرة ؟! أرى ممرضا بملابس زرقاء يتجه للباب راكضا , أنا لم أستطع المشي كثيرا , سقطت على الأرض , أين أنا؟! حملوني ووضعوني على سرير , جاءت الطبيبة , نظرت إلي , صوبت على عيني بمصباح مضيء وقالت : إنها هنا! حية... لماذا أقدمتِ على فعلتك الغبية؟. أخذت عقارا آخر , وعند الصباح أحسست مجددا بكل شيء , أنا جائعة , عطشانة , متعبة , أحس و كأنني أتنفس لأول مرة , أشرب الماء لأول مرة , حتى نظرت إلى انعكاس بشع على المرأة ... ماهذا القبح! إنها أنا ... وجهي شديد الاصفرار ... مرت الأيام , الممرضون يراقبونني من بعد وكأنني قنبلة موقوته , عند أي حركة , أراهم يضغطون أزرار جهاز حول أحزامهم , فيأتي المزيد منهم , تبا لتلك الملابس الزرقاء البشعة أخبرتني الطبيبة بأن اليوم هو الأحد صباحا , ولقد ظننت أننا لازلنا في يوم الخميس ! أين كنت لثلاثة أيام ؟ قالت : الإنعاش .. بعد عدة جلسات مع الطبيب انهرت بدأت أصرخ و أريد الركض إلى باب في آخر الممر , لاحقني الممرضون , قامو بربطي بأحزمة بيضاء , فوق سرير بارد , الحقنة تدخل وريدي المهتريء , يا إلهي .. مر أسبوع كامل ... اتركوني أعود لبيتي , لقد تعلمت أن لا أخبر أحدا بأنني أريد الانتحار مجددا!. وقعت أوراقا أخرى , أخذت معي أوراقا , ليس لدي ملابس , أو حتى حذاء , فقط ملابس نومي , طلبت هاتفا , اتصلت بصديقة أخرى ثم أخبرتها : أنا في سانتا مارينا درت بصوت مرتفع غاضب : ماذا تفعلين في مستشفى المجانين! قلت لها : لا أعرف ولكنني سأخرج اليوم .. كان الغرض من اتصالي أن أسألها أن تحضر لي ملابسا , ولكنني أحسست بالإهانة! فلم أطلب شيئا , وكان شهر نوفمبر باردا , خرجت أحمل كيسا صغيرا , أوراقي , وألف رداء ليليا , و في قدمي حذاء منزلي ناعم جدا , قدمته لي مريضة كانت معي في الحجرة , وقدمت لي لوحا صغيرا من الشوكولا , وحضنتني , وقالت لي : لا تعودي هنا أبدا! لن أعود أنا كذلك .. جلست في الترام , متجهة للمنزل , أتمنى أن يزيح الناس أنظارهم عندي! نعم أنا أرتدي بيجامتي , نعم أنا خارجة للتو من مستشفى عقلي , هل تريد قطعة من مما أشعر به ؟... في السكن , جاءت صديقتي لغرفتي بسرعة! ياإلهي أيتها الغبية! لقد قلقنا عليك كثيرا! ماذا كان سيحدث لك لو لم نجدك .. أخبرتني صديقتي أنها وجدتني مستلقية على بطني , باردة , ظنت بأنني قد فارقت الحياة , و رافقتني إلى المستشفى , حيث أخبروها بأن حالتي تبدو متأخرة , وقد أموت , فطلبت منهم الانتظار , عادت لغرفتي , حملت جواز سفري وبطاقتي الصحية , وأخبرتهم أنني في حالة فقدت الحياة , أن يخبروها , وأخبرتني أنها انتظرت حتى المساء وعادت إلى البيت , وبحثت عن أي رقم هاتف لأي أحد لتخبره أنني على فراش الموت , ولم تجد أحدا , ولم تعرف أين تم نقلي ... ماذا تعلمت من تلك المحنة ؟ أن حياتي لا تقدر بثمن , وليست دينا لأحد , ولا أحد يستحق أن تسحق من أجله روحي هكذا ..

هناك 5 تعليقات:

  1. شجاعة وقوة تحسدين عليها، الحمد لله الذي سخر لك كل ما هو افضل واعطاك حتى ارضاك :)

    ردحذف
  2. I do not know all details of ur story or I'm not entitled too I'm just trying to connect few gaps in here ...however I do not wish to any human to even experience such a horrible feeling as I am battling depression/anxiety/panic attacks
    I live in horror on a daily basis maybe outside the hospital because I'm too scared to admit it but all I can say u are and was and probably will continue to be one of the role models that I'll look up too and do my best to fight for my life :(

    ردحذف
  3. أغبطكِ على شجاعتكِ ...كم هنّ كثيرات من يشعرن بالموت وهنّ لازلن أحياء... هنيئاً لكِ ..

    ردحذف
  4. غريبة الحياة تعلمنا حبها عندما نقترب من تركها ، شخصيا كنت قريبا من الموت أكثر من مرة وما تعلمته من تلك اللحظات أن أعيش في هذه الحياة وأحب وأستمتع بكل لحظة.
    أنت قوية يا فاطمة ، وشجاعة لمشاركتك القصة.

    ردحذف
  5. دائماً تبهرني شخصيتك ❤ كم أنتِ قوية

    ردحذف