الاثنين، 27 فبراير، 2017

شجرة العائلة البشرية : زيارتي لمتحف النياندرتال .

تماثيل تحاكي واقع عائلة من عائلة النياندرثال خلال العصر الجليدي
هذا السؤال الذي لم يفارقني أبدا , من أين أتينا ؟ كيف وصلنا إلى هنا ؟ لماذا يتشابه البشر رغم إختلافهم ؟

تعلمت لاحقا الكثير عن عائلة البشر ,  أنواعهم , أين كانو ؟ أين ذهبو ؟ من أنا بالنسبة لهم ؟ ومن هم بالنسبة لي..

ولم يتوقف هذا الفضول ولا أعتقد أنه سيتوقف يوما , شغفي بالتاريخ , بكل ماهو منقوش على حجر , بالزمن القديم , بأسلافي السابقين ..

أمي الأرض , أخبريني عن أسرارك , أريد أن أعرف كل شيء!...


في البداية , إنتصب الإنسان على ساقيه , ووضع يديه جانبا , ثم تمشى على قدميه من جنوب أفريقيا , إلى شمال أوروبا , إلى أقصى شرق أسيا , وحتى أخر قطعة يابسة على وجه الأرض .

كانت هذه هي سبيل البشرية الوحيد والمستمر , الهجرة , البحث عن الحياة , ولكن شكلها اليوم يبدو مختلفا جدا .

في كل كهف وفي كل جبل وفي كل هضبة وعلى كل تّلة قصة , محفورة في عظام يجدها العلماء , أسلافنا تركو لنا من حياتهم الكثير ..


فضولي حول هذه الرحلة وهذه الحياة , قادني حتى وقعت في حب عالم جيولوجي , قضى 10 سنوات وهو يتنقل حول الأرض بحثا عن الحفريات , بحثا عن جواب لنفس السؤال الذي أبحث عنه وخلاله .. حتى إلتقينا .. وها نحن نبحث معا ..

كانت في إحدى لقائاتنا الأولى , أخبرته كم أحب علم الإنسان , ما كنت أجده في كتب المدرسة لم يكن يكفيني , أريد أن أعرف المزيد عن الإنسان القديم , و قال لي : هنالك متاحف كثيرة هنا , أنا أعدك بزيارة لها معا .. وأكملنا المشي في طريقنا , ومرت عدة سنوات ..

حتى يوم كنت أكتب عن الموضوع على صفحتي الشخصية على موقع تويتر , سألني مارتن : ماذا تفعلين ؟ قلت له : أكتب عن إنسان النياندرثال , هذه السنة قررت تخصيص الجزء الأكبر من قرائتي الحرة عن الأنثروبولوجي... ثم أومئ برأسه .

في صباح اليوم التالي إستعدت لموعد مهم لدى طبيب الأطفال , إبنتي تحتاج لقاحا أخرا , وبعد نهاية زيارتنا للطبيب , قال لي مارتن : أريد أن نذهب إلى مكان ما معا , الأن .. هل لديك كل ماتحتاجينه ؟

بحثت في حقيبتي : محفظتي , مفاتيحي , دفتري , كل شيء موجود , هيا بنا! قلت له .




كان يوما مثلجا , باردا , لم أكن أعرف أين نحن ذاهبون , فجأة رأيت لافتة كبيرة كتب عليها ( نياندرتال*) ... إلتفت إلى مارتن : البارحة أخبرتك ! اليوم ! لم تنسى؟ ! أحبك كثيــــرا!



مدخل المتحف . 

توقفنا عند متحف الإنسان القديم , في هذا الإقليم الصخري , عثر على أول محفورات لشعب النياندرثال (Homo neanderthalensis) سنة 1856 , و الذي عاش يجوب أوروبا قبل 350 ألف سنة مضت , و هم أحد أسلاف الإنسان العاقل الذي نعرفه اليوم , و بني هناك متحف يحمل الجزء الأكبر من بقايا ذلك الإنسان , وحضارته .. كما وجدت له أثار أخرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا , ولا يعلم أحد كيف إنقرض بالضبط , ولكنه إختفى من على وجه الأرض وإندثر منذ حوالي 40 ألف سنة .
أنا والسيد 4%

نحن نحمل اليوم بقايا جينية لهذا الإنسان , تشكل 4% من الحمض النووي لدينا , بداخل هذا المتحف يوجد تمثال جميل  وهو عمل فنّي معاصر , لرجل من شعب نياندرتال , يرتدي بزّة معاصرة , و قصة شعر جميلة , وإسمه : السيد 4% * .


كل ما أريد معرفته , أحضرت دفتري , و إبتدأت في تسجيل وتصوير كل شيء! أنا لا أجد السعادة إلا بين جدران المتاحف و أمام أمواج المحيط ..



عاش الإنسان النياندرثالي داخل الكهوف , فلقد وصل إلى أوروبا خلال العصر الجليدي للكرة الأرضية , وعاش خلال أقسى الظروف البيئية , ولكنه تعلم صناعة الأدوات , وتعلم النقش والرسم , وعلم عن وجود الإله , وكان لهم دين و طقوس كثيرة ..

بعض أدوات الإنسان النياندرتال 

عند النظر خلال منحوتات هذا الإنسان , نجد تصويرهم لجسد الإله الجميل المؤنث , فكانت معظم تماثيلهم وأعمالهم الفنية تحمل نقوشا ورسوما نسائية , أعتقد إن الإنسان النياندرثالي كان يحترم الأم كذلك ..

ودّع النياندرثاليون أمواتهم بعدة طرق , كانو يدفنون أمواتهم , ثم يقفون لحظات صمت , ويمضون في طريقهم للبحث عن المأوى والغذاء , وبعض منهم كانو يؤمنون بأكل لحم الميت , وترك عظامه فقط , دليلا على الحب والخوف من إفتراس الحيوانات المتوحشة لجثة المتوفى ..


ملامح وجه الإنسان النياندرتال المعاد تصويره


كانت لهم موسيقى تخصهم , كانو يحبون أطفالهم , بنيتهم القوية وقامتهم القصيرة ساعدتهم على التأقلم مع مناخ القارّة الجليدي , كانو يصطادون جيدا , ويتغذون على اللحوم والأعشاب كذلك , بالرغم من كبر حجم أدمغتهم التي هي أكبر من الدماغ البشري المعاصر  , لم يعرف جيدا إن كانت لديهم القدرة على الكلام أو لغة خاصة ربما بسبب صغر حجم حناجرهم ربما  , بالرغم من إنهم إستطاعو تدوين حياتهم من خلال فنونهم , و نقوشهم المميزة , وصناعتهم لأدوات متطورة مقارنة بزمنهم , كذلك معرفتهم بطرق إشعال وإستعمال النار .
صور حول المتحف 




توجد اليوم العديد من الإكتشافات الجديدة , مستحثات أخرى تخص هذا الإنسان وجدت شرق أوربا , وجنوبا عند مضيق جبل طارق , وتعتبر هذه المستحثات هي أعمال فنيّة أوليّة لإنسان النياندرثال , الذي فتح أبوابا جديدة في خريطة الجينوم للجنس البشري ...



لا أحد يعرف كيف إختفى هذا الإنسان , هل إندثر عندما تزاوج مع الإنسان العاقل الأول؟  هل وقع بينه وبين هذا الإنسان العاقل صراع ما حول الغذاء ؟ هل كانت حرب إبادة عرقية ؟هل إندثر بسبب الجوع ؟ ماهو سبب إنقراض هذا الإنسان المبدع , الفنان , والصياد الماهر ؟... لا أحد يعلم الجواب حتى اليوم ..


شاهدت الخريطة البشرية , أنواعا بشرية أخرى , تحمل أسماءا لطيفة , الإنسانة لوسي , فتى التاركانا , الإنسان القديم المغربي , شجرة عائلتنا البشرية الملوّنة والجميلة , هل سنترك لهم نحن مدونات عما نفعله الأن ؟ هل سأكون أنا مستقبلا عظاما يدرسها علماء من عرق بشري جديد سيتسائل , أين إختفينا ؟ وكيف كان مصيرنا ؟...

ودعت المتحف , وإتجهت أنا و مارتن إلى أحد الصخور , ودعنا نياندرتال معا , قبلتّه تشكّرا على هذه الرحلة اللطيفة ... وداعا أيها الأسلاف ... 


الموقع الإلكتروني للمتحف : http://www.neanderthal.de/

بنت الشريف 

هناك تعليق واحد:

  1. جميلة جدا الصور والمعلومات .. والسرد جيد .. شكرا على التدوينة .. لطالما اعجبني هذا المتحف واتمنى زيارته

    ردحذف