الأحد، 20 نوفمبر، 2016

أم للمرة الثانية .

-
إنه الأسبوع الأخير من حملي ، و أنا في أثقل وزن لي على الإطلاق ، كل شيء متعب ، لست على مايرام و كل شيء يبدو صعبا ، لا أستطيع النوم ، ولا الوقوف ، ولا حتى الجلوس ، أنا في حالة من القلق ، الترقب المتواصل أنهك عقلي ، كل شيء يبدو بعيدا وأحس بالعجز ، لا أعرف ماذا سأفعل " ...

هذا شعور جديد ، سأستقبل طفلتي ، أعتقد أنني سأقدر على مواجهة المخاض ، أعرف الألم جيدا ، لا أعتقد أنه سيكون بذلك السوء ، لم أكن أعرف بعد أن ذلك المخاض سيمتد لثلاثة أيام متواصلة ، سأتعرف خلالها على حجم قوتي الحقيقية ، سيفاجئني جسدي بقدرته على تحمل حياة جسد آخر بداخله ، ومساعدته للعبور لهذا العالم بسلام ..

الشمس تتحرك بسرعة في اتجاه غروبها ، إنه فصل الخريف ، الهواء أصبح أكثر برودة ، الغيوم أكثر كثافة وتغطي الجزء الأكبر من السماء ، الأوراق الصفراء متناثرة على الأرض ، أشاهدها تتساقط بهدوء ، أعود لغرفتي بكوب دافيء من نقع الزنجبيل لأجلس أمام فراش طفلتي المزين بوسادة بيضاء و ملاءات وردية ، أنتظر بشوق تلك الآلام التي يخبرونني عنها ، أنتظرها في كل لحظة وفي كل مرة تسبقها دموع لا أعرف كيف أحبسها .

أحسست بأول ألم يخترق ظهري كالسهم ، ثم اختفى بعد ذلك ليعود بعد أيام بشدة ، أخبرت مارتن بأنه علي الذهاب للمستشفى ، ربما آن أوان وصول الطفلة ولا أريد أن أنتظر في البيت ، أنا أخشى كل تلك المضاعفات الجسيمة والتعقيدات التي قرأت عنها خلال الحمل ، أخشى أن يقع لي مكروه في البيت وأضطر لأن أضع حياتي وحياتها في خطر ، حملت حقيبتي ورميتها في السيارة واتجهنا إلى المستشفى معا ، لم نتحدث كثيرا خلال ذلك الوقت ، كنت أحس بقرب مارتن مني ولكن قلقه المتزايد أصابني بالتوتر ، لم أكن أعرف هل أبدو على مايرام أم لا؟ ( لا أعتقد أنها جاهزة للولادة اليوم ، ولكن على كل حال وجب عليك البقاء هنا تحت المراقبة في حال حدوث أي شيء ، يبدو أنك تأخرت عن موعد الولادة بأيام ، ولكن هذا يبدو شائعا لا تقلقي ، كل شيء سيكون على مايرام ) ، لم أستطع أن أجاوب الطبيبة وهي تلقي علي هذه الكلمات ، كان التعب قد التهم من حواسي الخمس كثيرا ، فتركني بعينين مغلقتين معظم الوقت ، مرت الأيام و جاء اليوم الأول من المخاض ، والثاني ، حيث لا أنام ، ولا أعرف الوقت ، و إحساسي بذاتي مضلل بسبب مسكنات الألم التي أتناولها باستمرار ، طفلتي مرهقة كذلك أستطيع أن أشعر بذلك ، مارتن ينام فوق كرسي ويبدو عليه التعب ولكنه يبتسم لي ، ويحاول تشتيت القلق بمزحاته ، أضحك قليلا ، أحاول إقناعه بأن يذهب لينام في البيت ، من الصعب علي مشاهدته وهو يبدو غير مرتاح هكذا ، بين الحين والآخر تزورني إحدى القابلات لتراقب حالتي ، ولتأخذ الورقة التي عليها قراءة الجهاز الذي يراقب نبضات قلب الجنين ، ونبضات قلبي معا..

في مساء ذلك اليوم المتعب أردت أن أنام ، في محاولة مني لتجميع القليل من القوة ، بحالتي هذه لن أستطيع أن أساعد الطفلة في وصولها ، في الغرفة الأضواء الجانبية هادئة ، أستمع إلى أغاني Alicia Keys المفضلة لدي و أشد الحبل المعلق بالسقف عند كل انقباض ، وعند كل تشنج ، و أنا أخبر نفسي أنه حان الوقت ... في صباح اليوم التالي تحدثت مع القابلة مجددا ، أخبرتني أنه وفي العديد من الحالات تتعود الحامل على وجود جنينها داخل رحمها ، فيتأخر الجسم في تجهيزه للولادة ، وكأن الحامل لا شعوريا لا تريد أن يفارق الطفل رحمها ، فوضعت في يدي بعض الأدوات الطبية التي يربط بها الحبل السرّي ، الملابس التي سترتديها الطفلة عند ولادتها ، في محاولة لوضع اللّاشعور الخاص بي تحت الاختبار ، إن كنت أنا أيضا أرفض أن أتخلى عن جنيني ... وكان كذلك ، مرت ساعات قليلة بين زوال ذلك اليوم و عصره ، وصلت إلى هذا العالم بسلام و في هدوء وبصحة جيدة ، كنت أحملها بين ذراعي لأول مرة ، لحظات من السعادة التي لا تصفها كلمات أبدا ، حملتها لأقبلها لأول مرّة ، لقد اختفى ذلك الألم ، اختفى ذلك القلق ، أحسست أنها بداية جديدة لحياتي ... لقد علمتني هذه التجربة أن أحب جسدي لقدرته على احتواء الحياة وليس لجمال هيئته وما يبدو عليه ، كذلك تعلمت أن هذه التضحية التي قدمتها لهذه الطفلة هي تضحية لن أنتظر عليها جزاء أو شكرا من أحد ، إنها تضحية لنفسي ، لأعبر بها بوابة جديدة كامرأة ، كأم ولود ، في أحد أكثر خنادق الحياة خطورة للأنثى ، وهاهي اليوم تنام بين قلبي وقلب والدها ، وعمرها يناهز الشهر ، وفي صباح كل يوم أشتاق لرؤيتها كثيرا ، أنتظر حبها بفارغ الصبر ، أنتظر الغد الذي ستهديها إياه الحياة ، أنتظر أن أعيد استكشاف هذا العالم معا ، أنتظر ضحكاتها و أنتظر تمردها وشغبها ، أنتظر نضوجها ، أنتظر تخرجها ،حبها الأول , زفافها , أطفالها ... هي أيضا بركة حملتها بداخلي واليوم أحملها بين يدي في كل يوم ...

صور خاصة من المستشفى EKO , المخاض , الولادة , اللقاء الأول ...


هناك 3 تعليقات:

  1. السلام عليكم يا بنت الشريف
    حاولت نبحث على صفحتك على الفيسبوك بس ما طلعتليش، ما السبب؟ هل هي مقفله؟

    تحياتي

    ردحذف
  2. الحمد لله على سلامتكما يا فاطمة :) ...
    ♥♥♥

    ردحذف
  3. الحمد لله على سلامتكما يا فاطمة :) ...
    ♥♥♥

    ردحذف