الأحد، 17 يناير، 2016

أم لأول مرة .

ملم أحلم يوما بالأمومة لعدة أسباب , الإحباط أولها , ظني بأن صبري ينفذ بسرعة , وهو ماعرفت أنه مجرد وهم لاحقا , كان أول تفاعل مستمر بيني وبين طفل هو ماكسيميليان .

في بداية علاقتي معه كان يبدو طفلا حزينا جدا , دائم البكاء والسكوت , كان يعاني من حالة مستعصية من التأتأة , لا يستطيع الكلام نهائيا , وقد كان أن ذاك طفل  عمره سنتان , تلازمه المسكتة التي يضعها دائما في فمه , عيناه تبدوان خاليتان معظم الوقت , الخروج معه إلى أماكن عامة أمر صعب , نومه متقلب , لم تكن بداية زواجي بوالده وإنضمامي لعائلته سهلة أبدا , فقد عرفته طفلا وحيدا , غريبا , لم أعرف طفلا هكذا من قبل ..

حاولت أن أبعد مشاعر الشفقة عن تعاملي معه وأن أستبدلها بمنطق التفهّم  , فهذا الطفل هو إنسان , له وعي , ويجب علي أن أفهم كيف بإمكاني أن أتعامل مع طفل لا يتكلم ... أو هكذا ظننت , كنت أخشى أن أخبر مارتن أن ولده قد لا يتحدث أبدا ..

كان ماكس يشير إلى الأشياء بيده , يحاول أن يتحدث بلغة تشبه لغة الإشارات ولم أكن أفهمه , وكان ذلك يصيبه بالإحباط , فيبتدأ بالبكاء والصراخ و رمي كل ما يستطيع أن يمسك به على الأرض , وقد تستمر هذه الحالة الهستيرية لفترات طويلة جدا ..كنت قد بدأت في التفكير في التراجع عن قرار بقائي في هذه العائلة ذلك الربيع .. ولكنني لم أستطع أن أتخلّى عنه مجددا ..




عندما كان مزاجه جيدا , كل شيء يبدو جيدا , نحن جميعا سعداء , كانت حماتي تشاركني دائما قلقها المستمر على حالة حفيدها النفسية , فهو لا يختلف كثيرا عن طفل مصاب بتوتر مابعد الصدمات (PTSD) , وهو التوتر الذي يكون ظاهرا على الأطفال الذين قد تعرضو لتجارب مروعة مع العنف , الإقصاء , إلخ ..

كان مارتن يحثني على تجربة حظي معه , فكان يدفع بماكسيميليان إلى التعامل معي بدلا منه , يتعمد الخروج وتركه معي في البيت , في يوم ما , طلب مني ماكسيميليان شيئا لم أفهمه , فبدأ بالبكاء والصراخ وأصابني الهلع , فوقعت على الأرض وإبتدأت أنا بدوري بالبكاء وأنا أرجوه أن يتوقف عن الصراخ , في تلك اللحظة رأيت ماكسيميليان وهو في حالة إستغراب ممزوج بالرحمة  لأول مرة وهو يحضر منديلا ويمسح به دموعي وهو يحاول أن يقول بضع كلمات لتهدئة روعي .. مسحت دموعي .. وجلست وحاولت أن أفهم مايريده .. فجلس في حضني , وأغمض عينيه . فعرفت أن هذا الصغير كان متعبا , ويريد أن ينام , ويريد مني أن أفهم ذلك ...

في مرة أخرى كنت أشاهد التلفاز , وفي حضني قطتي أن ذاك , وهو ينظر إلى القطة , وينظر إلي , سألته إن كان يريد أن يربت على ظهرها , فلن تهاجمه هذه المرة , فقام بلمس القطة , القطة كانت تكره الأطفال كثيرا وبشكل واضح , فإبتدأ بالبكاء وهو يردد : لا تحبني! أنا أحبها ! هي لا تحبني .. كيف لقلب صغير أن يتحطم بسبب قطة ؟... إضطررت لاحقا للتخلي عن القطة لهذا السبب ..

تعمدت أن أحدث ماكسيميليان طوال الوقت , أثرثر معه , أخبره القصص  , المزحات , أعلمه الأغاني , لاحظت أنه إبتدأ يتعلم الكلام تدريجيا وبشكل ملفت  , أصبحت أرى إبتسامته كثيرا وكان ذلك يسعدني كما لم يسعدني شيء أبدا , فأصبحت التأتأة تقل , حتى إن إختفت تماما بعد سنة ونصف من المحاولات المستمرة والأحاديث المكثفة ..إستطعت أن أقوم بدور المعالجة في البيت .. ولاحظ الجميع ذلك .


في يوم ما , وأنا أقرأ له عن الحيوانات , قام بترديد معظم أسمائها بشكل صحيح .. فأخبرته أنني فخورة به! نظرت إلى عينيه , كمية كبيرة من السعادة , فلم يفارق ذلك الكتاب منذ ذلك اليوم , وهو اليوم يعرف معظم أسماء الحيوانات والألوان , يستطيع العد والجمع والطرح , يستطيع أن يسأل ويجاوب .. باللغتين الألمانية والإنجليزية ... أحمد الله كثيرا على ثمار ذلك المجهود , وتلك المحن التي مررت بها وأنا أحاول أن أساعده في أن يستعيد الثقة بنفسه , وكانت نتيجة هذه المدة أنني تعرفت على أمومتي , لم أعرف أنني أستطيع منح طفل صغير فرصة التعلم , وماكسيميليان اليوم هو طفل سعيد , يشبهني كثيرا وهذا هو الطريف في الموضوع , ملاحظته لكل ما أقوله , سرعة مايتعلمه , ثقته الكبيرة التي يمنحني إياها .. إنه صديقي المفضل ..






هناك تعليقان (2):

  1. سؤال يحيرنی ... اين امه !؟

    ردحذف
  2. ❤❤❤❤ جمييييل .. بس من شنو كان يعاني بالضبط؟

    ردحذف