الثلاثاء، 12 يناير، 2016

آنّا فرانك ، وأنا .

أن ذاك كانت هوايتي المفضلة هي البحث خلال أكوام الكتب والمجلات في كل أدراج خزانات البيت ، الصور ، اللغات ، العديد منها لا تزال تظهر بين الحين والآخر في عقلي ، وكان في ذلك اليوم الذي تعرفت فيه على فتاة تشبهني في فضولها ، وفي حبها لمراقبة الحياة ، والكبار في حواراتهم . 

على غلاف هذا العدد من مجلة ( Time ) وفي هذا العدد بالذات جمعت كل الشخصيات والأحداث المهمة للقرن العشرين ، لفتت إنتباهي المقال ، أمعنت النظر فيه جيدا ، لم أسأل أحدا عن المجلة ،أخذت صور منها ، وضعتها في دفتري الصغير ، ووضعتها في حقيبتي المدرسية ، أقرأ وأقرأ ، أعيد الدفتر وأعود للبيت وعقلي موجود في عالم آخر ، في القرن العشرين .
Time غلاف المجلة .


من هي هذه الفتاة؟ ولماذا تتصدر غلاف المجلة بجوار صانع الطائرة ، ميرلين مونرو ، الأم تيريزا , الأميرة ديانا .. وآخرين ، ماذا فعلت هذه الفتاة ؟ 
سألت والدي بعد فترة ، أخبرني أنها إبنة عائلة يهودية كانو قد إختبؤ خلف خزانة ما في بيت ما ، هروبا من رجل كان يحرقهم في أفران عميقة بالغازات الخانقة والسامة . 

تساؤلت من هو هذا الرجل؟ ولكن اليهود يستحقون ذلك ، في كتابي للغة العربية آن ذاك يوجد درس عن اليهود ، وغدرهم ، وجشعهم ، وعدائتهم للإنسانية ، كيف يمكن لأعداء الإنسانية أن يكونو هم من يرمى بهم في أفران الغاز والمحرقات ؟ ولكن هل يجب أن أكره اليهود؟ الجميع يكرهونهم ، إلا والدي لأنني رأيته يسلم على اليهودي الذي إشترى منه أجهزة التفاز ، والآخر الذي يصلح ساعته ، لماذا لا نكرههم؟. 

وضعت صورة الفتاة تحت الزجاج الذي يغطي طاولتي آن ذاك ، في يوم ما رأيتها على التلفاز ، إنها هي ،وعرفت إسمها .. وعرفت أنها كتبت مذكراتها ، مثلي ، ولكن لا أعرف .. 







" هل سأكتب شيئا عظيما يوما ما؟ امل كذلك ، الكتابة تسمح لي بتسجيل أفكاري وخيالاتي" ...  أنا فرانك (1942) .



مذكرات أنا فرانك .

هذا ماكتبته آنا فرانك في مذكراتها ، خلال الحرب العالمية الثانية ، وضعت ثقتها الكاملة في هذه المذكرة ، إبتدأت بالكتابة وهي في سن الثالثة عشر ، ولم تعش طويلا بعد ذلك ، لم تعلم وهي تكتب هذا التساؤل أن ماتكتبه الآن في هذه المذكرة سيجعلها لاحقا أحد أهم المذكرات الشخصية حول العالم .. 

بعد توللي أدولف هتلر السلطة ، توغلت الحركة النازية داخل ألمانيا لترعب اليهود ، طردتهم من وظائفهم الرسمية ، قتلت منهم الكثيرين ، صادرت أملاكهم بدون حق، وكانت عائلة فرانك واحدة من العديد من العائلات التي هربت من هذا النظام القمعي .

والد آنا توجه بعائلته إلى أمستردام ، مدينة هولندية ، إندلعت الحرب وقتها ، وهجمت جيوش هتلر على الجميع ، بولاندا ، هولاندا ، فرنسا ، وعاثت بالخراب في أوروبا العملاقة ، كتبت آنا عن شوقها لوطنها الأم ، ألمانيا ، كتبت عن حبها للطبيعة ، عن ما تعتقده حول الله ، السلام ، المحبّة .. 

عندما توغلت القوات النازية في كل مكان ، وسنّت قوانين همجية للتميز العنصري ضد اليهود ، المعاقين ، المثليون جنسيا ، وجب على جميع اليهود أن يرتدو نجوما صفراء فوق ملابسهم .. بينما تم قتل الأخرين جهارا ..

وصلت رسالة حكومية  لشقيقة أنآ الكبرى، مارغو ، رسالة للعمل الإجباري في ألمانيا ، كان قد حان موعد الهروب بسرعة ، لم يكن الشعب الألماني على دراية بمخيمات النظام النازي فقد تم تضليل الجميع إعلاميا وإقناعهم أن كل مايحصل الأن هو لمصلحة الشعب الألماني ومجده  ، لم يكن الشعب يعلم حقيقة مايسرقه النظام من هؤلاء ، بل إمتد طغيان النظام حتى منع تعامل غير اليهود مع اليهود ، وجرّم الفعل بذلك ، وكانت العقوبات قاسية جدا . 

عثرت عائلة آنا إلى جانب عائلات أخرى على بيت ليحميهم في أمستردام ، وكتبت في أيامها الأولى هناك :
" يمنع علينا النظر من النافذة ، أو الخروج  من البيت ، علينا البقاء صامتين ، وإلا سيجدنا الجنود ، وسيقتلوننا". 

" العديد من أصدقائي اليهود يؤخذون بعيدا في سيارات للنقل ، أعتقد أنه يتم نقلهم لوستربورق ، المخيم الكبير لليهود ، الهروب يبدو مستحيلا ، إذا كان الوضع بهذا السوء في هولاندا ، كيف يبدو الحال في تلك المناطق الغير متحضرة التي يرسلهم إليها الألمانيون ، نحن نعتقد أن أغلب من يتم نقلهم إلى هنالك يقتلون ، الإذاعة المسموعة البريطانية تقول أنهم يموتون خنقا بالغاز السام ، ربما لأنها أسرع طريقة للموت ، أنا أحس بشعور فظيع ". 


الأن وقد أصبح بيت فرانك مزدحما ، إضطرت آنا أن تشارك غرفتها مع الكثيرين ، عاش ثمانية أفراد في تلك العلية المخبأة ، لأسابيع ، السيد بفيفر صديق لوالد آنا جاء وأخبر الجميع بفظاعة المنظر في ألمانيا ، شوارع كاملة أخليت ، محلات تجارية كبيرة وشركات سرقت ونهبت ، ألمانيا أصبحت جحيما بعد أن كانت وطنا للجميع . 

عائلة فرانك .


عندما إبتدأت صديقات آنا بالرحيل إلى ألمانيا مجددا ، بناءا على رسائل العمل الإجباري ، كتبت في مذكراتها : 

" أشعر بأنني شريرة وأنا أنام في هذا الفراش الدافيء ، وأصدقائي يعاملون بفظاعة هناك ، وعلى الأرجح يفقدون وعيهم من التعب والإرهاق ، ولماذا كل هذا؟ فقط لأنهم يهود". 

عند قرائتي لمذكراتها ، كنت غالبا ما أقفل الكتاب وأبكي قليلا ، لكوني أعرف الآن جيدا ماهو التمييز العنصري ، ماهو الطرد التعسفي ، ما معنى أن تفقد وطنك ، ما معنى أن تضطر للإختباء ، أعرف ألم ماتكتبه آنا جيدا ، يمكنني أن أتخيل كل ما تكتبه عن الحرب ، الفراق ، العائلة .. 

شجاعتها ودعمها للحركة المقاومة ضد ألمانيا النازية ، شيء مثير للإعجاب ، طفلة ، وضعت أفكارها بصدق ، إلى جانب فضح أحد أكثر الأنظمة دعما بالبروباقاندا العنصرية ، نظام دموي ، وهي تستمع إلى غارات القوات الأمريكية على هولاندا وألمانيا ، كتبت ، وكتبت .. بدون خوف ، بدون تردد ، وبدون توقف . 

سمعت. آنا بطلب الوزير الهولندي من اليهود بتوثيق مايمرون به وأن وزارته ستستقبل الرسائل جميعا ،  وكتبت آنا أنها ستجهز كتابها ، وستحدث عن مغامراتها كقصة بوليسية ، كانت متحمسة جدا ، بالرغم من كل شيء .. 

كتابتها كانت بلسمية ، حميمية جدا ، جميلة جدا .. 

تم العثور على عائلة آنا فرانك ، ونقلو بعد ذلك خلال مخيمات العمل والإعتقال حتى وصلو إلى مخيم (أوسشفتز) ، وتم فصل النساء عن الرجال ، ودعت آنا والدها وحبيبها آن ذاك إلى غير رجعة في ثوان معدودة  ، لاحقا لقيت حتفها بالمرض ، ماتت آنا تاركة ورائها مذكراتها ، عاش والدها ، ووصلت المذكرة بين يديه ، وقام بدراستها وبالتالي نشرها ، لتحقيق أمل طفلته بأن تصبح كاتبة ..
وصف ما قرأه بدقة وعن إحساسه بالشرف والفخر بأنه تعرف على إبنته خلال ما كتبته ، زينت كلماتها لاحقا جدران المدرسة التي كانت ترتادها آنا ، أصبح ذلك البيت علامة مهمة من علامات مدينة أمستردام ، حظيت بفرصة زيارته ، وزيارة عدة متاحف تحدثت عن تلك الفترة المظلمة في تاريخ ألمانيا و أوروبا ، 

كانت مذكرة هذه الفتاة سببا في تأسيس جمعيات ترعى ثقافة التعايش بسلام داخل ألمانيا وهولاندا ، أنآ غيرت الكثير ، صنعت الكثير عن طريق مذكرتها الصغيرة ، وبسبب آنا ، رفعت قلمي بدوري لأكتب ، ولم أتوقف .. 

خلال زيارتي الأخيرة للعاصمة برلين ، دخلت متحف التماثيل الشمعية  المشهور (مادام توسود*) ، كان يوما مشمسا جميلا ، وقعت خريطة المدينة من يدي وسط الزحام ، وعندما إلتقطها وحملتها ، مارتن قال لي وهو يضع يديه على كتفي  : أنظري ! صديقتك القديمة هنا! رفعت عيني فوقعت على تمثال آنا فرانك  ، لم أستطع أن أكبح دموعي ، تمثالها يجلس أمام طاولة وتبدو أمامها مذكرة و هي تبتسم ، بدت حقيقية جدا ،أخذ لي مارتن صورة بجانبها ، كان يوما جميلا .. لاتزال مذكرتها أحد أجمل الكتب التي قرأتها في حياتي .. ولازلت أؤمن بقوة الكتابة و سأظل على إيمان بها طالما حييت .. والشكر يعود لأنا فرانك .





أنّا فرانك  , وبنت الشريف .



هناك 4 تعليقات: