السبت، 2 يناير، 2016

الشريف .

قصاصة تحمل خبر وفاة جدي الطاهر الشريف
تحت عنوان (رجل ..مات*) .
في يوم لازلت أذكره جيدا ، كنت في عمر الإثني عشرة سنة ، أقف بجوار حبل الغسيل وعليه ثوب صوفي تقليدي إسمه (الجرد) ، وكان هذا الجرد عتيقا جدا وكنت أركض تحت الحبل مرورا خلال الجرد وأنا ألعب ، كان والدي يتغطى به ، ويرتديه داخل البيت كثيرا ، سألته مرة وهو يطويه ليعيده للخزانه : لمن هذا الثوب يا بابا؟ فأخبرني أنه جرد والده ، ثم حدثني عنه قليلا ، عن صرامته ، عن صعوبة طباعه ، وعن حنانه وخوفه على عائلته ، ثم قاطع حديثه وهو يردد : لاحول ولا قوة إلا بالله .. 

لازلت أتذكر الدموع في عينه ، بعد كل هذه السنين ، لا تزال تشتاق إلى والدك؟ فأخبرني أنه رحل مبكرا بسبب المرض ، بسبب عصبيته المستمرة ، ولم أنسى ذلك الموقف أبدا. 

جدي هو السيد الطاهر أحمد الشريف ، هو رجل وهب حياته للعمل والتعليم ، وشغل عدة مناصب تعليمية في عهد ليبيا الفدرالية ، كان آخر منصب له هو أن يكون وزير عدل ولاية طرابلس ، فلقد كان يقدس الحق ، ويعطف على الناس ، وشديدا وصعبا مع ذوي بيته .. صورته وهو يرتدي الطاقية معلقة على حائط غرفة المعيشة ، كنت أتأملها دائما ، إلى جوارها صورة والده ، يذهلني الشبه بينهما .. 

توفي جدي عندما كان والدي لايزال شابا وطالبا جامعيا في مصر ، تلقى والدي الخبر بصعوبة ، وأخبرني عن جنازته المهيبة ، وعن حضور كل أطياف سكان طرابلس ذلك الحين ، وأخبرني عن حضور اليهود والمسيحين في جنازته وتأثرهم العميق بفقدانه ، فهو كان يقضي حاجات الجميع ويساعد الجميع بغض النظر عن دينهم ولونهم وأعراقهم .. 

تصدر خبر وفاته الجرائد المحلية في ذلك الحين ، و إحتفظ والدي بعدة كتب له ، رسائل بخط يده ، سبحته ، مستندات رسمية كانت تخصه ، وفرط فيها من تركت في عصمتهم بعد وفاة والدي . 

أتذكر كل هذا اليوم ، لأن اليوم هو ذكرى عيد ميلاد أبي ، المغفور له أحمد الشريف ، أسطورة سأعيش على ذكراها بقية العمر ، والآن أعرف جيدا ، كيف كان يحس هو عندما يتذكر والده ، ويذرف الدموع شوقا له حتى بعد عقود من وفاته ، سأذرف ذات الدموع في كل مرة تحضرني بصوتك وإبتسامتك وحزمك الشديد ، وسأحمل إسمك إلى مكان عظيم ، وسأعيده للتاريخ ، وسأجعل من حياتك قصة لأولادي ، سأخبرهم عنك ،  وأنا أعلق صورك الآن في غرفة معيشتي و أضع واحدة فوق مكتبي ، وأراك كل يوم ، وفي كل يوم تزداد صورتك حياة بداخلي ، أنا آسفة جدا على مايحدث الآن بعد غيابك ، ولكن لا علاقة لي ولا دور لي ، فبعد وفاتك ، توفى الأمان ، وتوفى النبل ، ونفيت خارج كل ماتركته لي . 

أجدد الرحمة على روحك ، سنلتقي يوما ما .. 


صورة الشريف .



هناك تعليق واحد:

  1. تشرق علينا فاطمة فى هذه المدونة فى بداية السنة 2016 لتضىء جانب أنسانى حميم ، تذكرنا بأن لكل زهرة غصن أخضر خرجت منه ،وأن كل عصن أخضر تفرع من جذع وجذور ضاربت فى الوطن ، أفتخار بالأصل وليس التعصب له، الرجوع إلى صفحات الزمن لشحن الهمةوليس الغوص فيها والموت فى أحضانها ، بنت الشريف تعطينا درس بأن الماضى المشرق جزء من الحاضر وليس كله شكرا فاطمة .

    ردحذف