الاثنين، 7 ديسمبر، 2015

السيرة الذاتية لبنت الشريف - الملحق

لقد كان يوما ربيعيا جميلا , فالصيف لم يتبق له سوى أسبوع , كل شيء يبدو جميلا هذا الصباح , كنت قد أمضيت اليوم السابق عند مصففة شعري , سيدة مغربية أنيقة وجميلة , كلما زرتها أخبرتني بأنه يجب على أن أتزوج , وأن أنجب أطفالا , لأعيش حياتي السعيدة . ثم أخبرتني , لماذا إخترتي هذا اللون؟ قلت لها غدا يوم مهم , فقالت لي أنه يجب أن لا أستعجل أبدا في أي قرار يتعلق بلون شعري ..

لم يسبق لي أن سمعت جملة , وسمعت نفسي وأنا أقولها بصوت واضح داخل عقلي , لأحس بحقيقته , لا تستعجلي , هذا ماكان يجب أن أخبر به نفسي مرات عديدة ولكنني لم أفعل .. بعد تصفيف شعري عدت للبيت , شاهدت فيلما .. وأنا أفكر في الغد . غدا هو يوم لا أعرف كيف سأواجه به نفسي , سأحمل لقبا جديدا , مرحلة جديدة , غدوا هو الموعد , غدا أفصل بين الماضي وبين المستقبل ..

إستيقظت مبكرا , وإردتيت فستاني الأزرق , وحذائي الأسود الأنيق . وضعت زينتي وتوجهت للمرأة ... فاطمة! أنتي اليوم ستواجهين ما تواجهه العديد من النساء حول العالم , ولكنك أكثر حظا , وربما لست أكثر قوة ...  ولكنك محظوظة! إنظري لجمالك أيتها الحمقاء! لاتخافي ستكونين بخير كالعادة .. وضحكت مع نفسي وأخذت حقيبتي ومفاتيحي , نزلت سلم البيت وأنا أغنّي , ذكرى سعيدة جدا.

توجهت لمحطة القطار , توقفت عند مكتب التذاكر , هنالك يوجد رجل ألماني كبير في السن , كل شعره أبيض! ويعرفني جيدا فهو يراني كل يوم تقريبا ...

- صباح الخير سيدي , أحتاج تذكرة سريعة الأن!
- أوه! تبدين جميلة جدا! ألديك حفل زفاف في هذا اليوم الجميل؟
- هل أبدو بتلك السعادة؟
- عادة لا تضع المرأة مثل زينتك وفستانك للعمل !
- صحيح  ماقلت , ولكنه ليس حفل زفاف , اليوم هو يوم طلاقي النهائي .
- اها! حظا موفقا! لو كنت مكانه سأكون حزينا جدا ..
- شكرا لك سيدي , أتمنى لك يوما سعيدا! إنه طقس جميل لا تفوت فرصة الإستمتاع به.

إستقلت القطار وأنا أراجع ملف أوراقي , لقد أحضرت معي كل مايجب إحضاره , إتصلت بمحاميتي , وصديقتي , غابرييلا , أخبرها أنني في طريقي إليها .
عندما دخلت للمكتب , عانقتها وعانقتني  بحرارة , وقالت لي : تبدين أجمل بكثير بشعرك هذا.. هل أنتي مستعدة؟ قلت لها : لقد ولدت مستعدة لكل شيء .. أعطتني بعض المستندات لأوقعها , ثم صعدنا إلى سيارتها وتوجهنا إلى ولاية أخرى , حيث موعدي في محكمة العائلة .

في طريقنا إلى هناك تحدثت أنا وغابرييلا كثيرا عن إبنتها , عن حقوق المرأة , عن حقيقة الزواج , وعن حقيقة الطلاق , سألتني لماذا لا أبدو متوترة , فأخبرتها أنا لا أتذكر حتى وجهه , كيف لي أن أكون متوترة؟ لا أشعر بشيء , أنا أكثر قلقا على حذائي الجديد ..

توقفنا أمام مبنى المحكمة , دخلت أنا وغابريلا وهي ترتدي ثيابها الرسمية , رداء أسود , وأنا أحمل عنها حقيبتها ومستنداتها , ثم قالت لي : هل تعلمين أنه وإن دخلتي الأن إلى القاعة سيظنون أنك محامية مستعدة لخوض القضية؟ فقلت لها : جهزي لي مكتبا لديك , ولنقتسم الصداع والسيقار معا .. ضحكت غابرييلا ... وضحكت أنا .

وخلال ضحكنا سمعت صوتا .. يقول مرحبا .. إلتفتت غابرييلا لترد التحية , لم أردها أنا .. إنه زوجي السابق سامويل .. يبدو أكثر طولا وأنصع بياضا  ,  يبدو مختلفا , لم أرد تحيته , ولاحظت أنه وحده .. أين من يمثله؟ .. طلب أن يحدثني , أخبرته محاميتي أنه يستطيع إخباري أي شيء عن طريقها هي , لاحظت في نظرته إلي وإبتسامته المنطفئة أنه لديه الكثير لقوله ... صدي له كان جافا .. وهو كان يأمل في حديث أخير معي ..

همست لي غابرييلا إنه كان يجب أن أرد التحية , فقلت لها , لم أردها لأنني لم أعرفه في البداية , لقد نسيته ...

دخلنا القاعة , إبتسم لي القاضي وإبتسمت له , وجلست أنا وغابرييلا , في الجهة المقابلة يجلس زوجي السابق  وعيناه تملأهما الدموع بوضوح , ثم سألت نفسي ؟ لماذا لا أحس بشيء؟ أنا لست غاضبة , لست سعيدة , لست حزينة , لا أريد الحديث معه , أريد أن تنتهي هذه الجلسة سريعا .

إبتدأ القاضي بتوجيه الأسألة لي , ثم وجه ذات  الأسألة له , صوته المختنق بالدموع لم يستطع أن يجيب القاضي رغم محاولاته لتسريح حلقه  .. سألنا القاضي إذا كننا قد إتفقنا مسبقا على الطلاق ونعرف جيدا مسؤلية ما سنقدم عليه اليوم  , وأشار إلى أهمية الإتفاق على كل شيء , أخبرته أنني من تقدم بالطلب , وسأله القاضي عن من يمثله , فأجابه أنه يمثل نفسه , وإنه على إستعداد لأي إتفاق أخر , ثم سألنا لمرة أخيرة , هل أنتما توافقان على الخوض في هذه المرحلة الأخيرة من الإنفصال , أشار إلي زوجي السابق وقال , إنها ليست رغبتي الأن , ولكنها رغبتها منذ وقت , لا أعرف مايجب فعله  , لم أستطع منع نفسي من الضحك على كلامه , أخبرني القاضي إنه هنالك فرصة للحديث عن الموضوع لمرة أخيرة  . فأخبرت القاضي أنني موافقة على إجرائات الطلاق  .
ثم طلب مننا الوقوف , وتلى علينا نص الحكم , وأعلن أننا من اليوم مطلقّان , ثم طرق بمطرقته على الطاولة .

خرجنا أنا و غابرييلا من القاعة , وتبعني طليقي وهو يركض , ثم طلب محادثتي , إعترضت غابرييلا طريقه مجددا , ثم أخبرها أنه كان يود الحديث معي لمرة أخيرة وأنني لست عادلة بمنعه من تلك الفرصة , حتى وإن لم نتحدث منذ سنوات , هو لم يحاول الزواج مرة أخرى , ولم يكن ليريد أن ينتهي الموضوع هكذا .. أخبرتني لاحقا  غابرييلا أنه بدى حزينا جدا . فأخبرتها , لا يهمني ... ليس هو أخر رجل على وجه الأرض , ثم ضحكنا مجددا كثيرا .

جلست أنا وغابرييلا في مقهى جميل  داخل المدينة , هي تشرب فنجانها المعتاد من القهوة , وأنا  أمامي فنجان الشاي الأخضر , ثم سألتني عن دراستي , أخبرتها إنني أفكر بالعدوة لكلية الطب , فقالت لي : أعتقد أنك ستكونين أكثر نجاحا إذا درستي القانون .. كانت تلك المحادثة عميقة جدا , أخبرتي عن حاجة النساء للحقوق في بلدي , سألتني إن كان الطلاق لدينا كالطلاق هنا , شرحت لها مما أعرفه عن الطلاق بين الأزواج , ثم أخبرتها عن الطلاق اللفظي , قالت لي ذلك يبدو صعبا , أن يعتمد حصولك على حقك , بحظك ووفرته , بدل إستحقاقك له , وحاجتك للعدالة , وكأن النظام العدلي يقف ضد النساء في هذا الشأن .. حاولت أن أشرح لها بأن الموضوع أكثر تعقيدا , فقالت لي , يجب عليك التفكير بكلية الحقوق يا فاطمة , نساء بلدك يحتاجونك , لا أحد يستطيع أن يدافع عن النساء غير النساء ...بعد تلك المحادثة , وبعد ذلك اليوم , عدت للبيت , وبعدها بشهر , تقدمت بعدة طلبات لتغيير مجال دراستي للحقوق , ويوما ما , سأجد نساءا مثلي , لا يبكين يوم طلاقهن , حقوقهن لا تضيع , يوما ما سيقف الرجل إحتراما لرغبة المرأة بالرحيل , بدل بصقه ليمين الطلاق في وجهها إنتقاما لغروره ,  يوما ما , ربما ..

وبعد أسبوعين , وصلتني مستندات طلاقي , التي تحمل صفتي الجديدة , مطلقّة , إبتسمت كثيرا , وأخبرت نفسي بسخرية :ألف مبروك!  أهو 
توا كملتيهم الإنجازات , زيديها في الCV متاعك .. 


بنت الشريف .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق