الأربعاء، 16 ديسمبر، 2015

السيرة الذاتية لبنت الشريف , الجزء السابع .

تلتف بي المشاعر دائما , أنا محاصرة بكل ذكرى , فكل ذكرى تحضر كاملة , بكل تفصيل صغير وبكل إحساس مركّز , بكل مافيها من قوة تعود الذكرى , تتركني كثيرا أتسائل لماذا أنا ؟ لماذا لم ترد لي السماء أفضل من هذا ؟.

إحتجت أن أرى أسوء مافي القدر حتى أستطيع أن أرى أجمل مافيه , المعاناة حقيقة , المعاناة هي الحياة .. بماذا يشعر من لديه كل شيء ؟ هل يقلق ؟ هل يخاف أن يفقد كل مالديه ؟ ماذا يشغل بال من يملك كل شيء؟ .. لاشيء .

حفظني الله مرّات عديدة , وقفت أمام الموت كثيرا , وكنت أخشى الموت , ولم أعرف أنه ليس مخيفا , بل مسالما , الموت يبدو لي كحالة سلام , موت الرغبة في الحياة على أي حال , ليس سلميا بالمرّة .

ككل الأطفال لم أستطع أن أتخطّى حقيقة كل ما أحس به , حول نفسي وحول الناس , لازلت أتذكر بوضوح أول ذكرى للخوف , كنت في الحضانة , عمري أربع سنوات , أحمل كتابا به حروف كبيرة وملونة , أرسم حول الحروف وأراقب الأطفال عن بعد , ألاحظ كل مايفعلونه , كيف يبكون , كيف يضحكون , كيف يتدافع الأطفال حول الأرجوحة , وأنا أشاركهم اللعب أحيانا , وأحيانا أخرى أفضل جلوسي في ركني داخل غرفة الحضانة بعيدا عن الجميع , حتى يحين موعد العودة إلى البيت .

في يوم ما كننا نجلس في دائرة , أنا والأطفال الأخرين , لا أتذكر ماذا كنا نغني , ولكن أتذكر المعلمة وهي تمسك بصورة كبيرة مطبوعة على ورق مقوّى , ونردد ما تقوله , وما تقرأه , أحد الأطفال لم يستطع منع نفسه من اللعب , حاولت المعلمة أن تعيده للدائرة مرارا , حتى فقد عقله وبدأ بالصراخ والبكاء بشكل هستيري , ظللت أراقبه وأراقب مايحدث له , فإذا بالمعلمة تمسك به من ملابسه وتضعه بجانب النافذة , وتتركه يتركّل بقدميه في الهواء وهو ملقى على ظهره ويصرخ من الإحباط ...  نظرت إلى المعلمة بخوف , إنها مجرمة! عقلي الصغير أخبرني أنها ستمسك بي هكذا , فهربت تحت طاولة , وإختبأت هناك وأنا أسمع دقات قلبي تطرق طبلات أذني , أتمنى أن يتوقف الطفل عن الصراخ , أتمنى أن ينتهي هذا اليوم , ومنذ ذلك اليوم لم أثق بمعلمة أبدا ... أبدا .

وتتكرر الذكريات بنفس الطريقة , كلما عدت بذاكرتي لطفولتي , أسمع الكثير من الصراخ , الكثير من الألم , الكثير من سخرية الأطفال الأخرين , الكثير من الهروب , الكثير من المقاعد , الكثير من الإختباء .. الخوف ...الخوف كان أقوى منني ولم يعلم بذلك أحد ...


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق