الخميس، 8 أكتوبر، 2015

خواطر من أمام بابل .



كم هو رائع الإحساس بعظمة ما تصنعه الأحجار الصلبة  من هيبة للمدن , لماذا نخشى نحن البشر هذه الأحجار , لماذا ترهبنا ؟ لماذا يرتبط كل مانتركه ورائنا بها ؟ حتى من قبورنا التي ستوضع عليها أحجار تحمل معلوماتنا! هل لأن الحجر هو الشيء الوحيد القريب لفكرة الخلود وعدم التأثر بالزمن ؟  ربما! فإذا بحثنا في تاريخ هذا العالم , وجدناه مدونا على الحجر , من بناء , وألواح , وتماثيل ...



منذ وقت ليس ببعيد تذكرت أحد أكثر الحضارات خلودا , وأحد أكثرها إعجازا وإستباقا للزمن , تذكرت بابل ... في الطريق إلى العاصمة الألمانية برلين , تبادلت الحديث مع مارتن في مواضيع كهذه , الحجر , الحضارات , الملوك , الأساطير القديمة ...
لم أكن لأعلم أن زيارتي القصيرة ستمتد من يوم , إلى يومين , رحلة عبر الزمن السحيق , إلى حضارات تسبق التقويم المسيحي بألاف السنين ...

إستيقظت في اليوم التالي من رحلتنا بعد ليلة من النوم المتواصل , خلاف مايبدو عليه نمط نومي العادي , أخبرني مارتن أنه علي الإستعداد لزيارة مكان جميل , متحف , فقلت , متحف أخر , لن يستغرق ذلك كثيرا من الوقت , لم أرد أن أخبره بحقيقة أنني لم أحضر زوجا واحدا , ولكن زوجين من الأحذية التي لا تصلح للمشي الطويل أبدا , ولكنه بدى متحمسا جدا لبدء رحلة معي , لم أرد أن أبدو كإنسانة مزعجة ودائمة التذمر , نادرا ما أتذمر عن شيء أبدا ..


بعد وصولنا للمتحف الأول , لفت إنتباهي صورة عملاقة لتمثال الملكة الفرعونية نيفرتيتي , وهذه قصة أخرى ..


عند دخولي للمتحف صدمت , عجزت عن الكلام عندما وجدت نفسي اقف امام بوابة أعرفها جيدا! بوابة عشتر , البوابة الثانية لبابل , التي أعاد تشييدها الملك نبوخذ منصر الثاني , وكانت بابل قد بنيت في عهد الملك حامورابي , البوابة بدت عملاقة! ولكنني كنت أعرف أن هذه ليست البوابة الأصلية , فالأسطورة تقول أن البوابة تتكون من ثمانية أعمدة عملاقة , هذه البوابة التي أقف أمامها هي البوابة الثانية الصغيرة ... ومع ذلك أبدو أمامها بحجم النملة ربما ! ألقيت بحقيبتي وأنا مسحورة كليا بجمال هذا البناء الذي طالما تسائلت كيف كان ليبدو عليه مباشرة ؟ أنا الأن أمام أحد معالم حضارة مابين النهرين ... بابل الساحرة ..



لاحظت اللون الأزرق المشع , تقنية تغطية هذا الفايينس هي تقنية فرعونية تستخدم النحاس وتفاعلاته لصنع هذه الدرجات من اللون الأزرق الجميل , كذلك لاحظت وجود صور للأسود التي يبدو وكأنها تزأر , الأسد هو الحيوان الذي يرمز للإله عشتر , إله الحب والحرب في بابل , كذلك يوجد الثور الذي كان يقترن دائما بالنقوش التي تصور الملك نبوخذ , كانت الأسطورة حول هذا الثور تحكي عن شراسته وقوته , أعتقد أن نبوخذ أراد أن يقترن إسمه بهذا الرمز الروحي أن ذاك .. كذلك توجد نقوش أخرى وتصوير لحيوان متوحش له أقدام أمامية كالأسد , وله أرجل كالصقر , وذيل كالعقرب , وعنق يتصل بجسد كالثعبان , كان هذا الوحش أحد أساطير مابين النهرين ورمز أيضا لإله يرعى حالات الطقس .. إلتفت لأجد كل الجدران تزينها ذات الأحجار بذات الرموز , إقتربت منها ووضت يدي على أحد الأنياب الخاصة بالأسد , وكانت الرسوم مرتبة بجوار بعضها البعض بدقة ... بديعة جدا!!.


نسيت نفسي تماما وأنا أمام تلك البوابة لمدة تزيد عن ساعة كاملة!  تخيلت نفسي أمر من بوابة مر من خلالها عظماء ذلك الزمن , شعوب قديمة كانت تمر خلال هذه البوابة يوميا , بوابة لحضارة العجائب , التي ذكرت في الكثير من النصوص المقدسة , كان ذلك الجزء من المتحف يضج بالألواح الأشورية والحضارات القديمة , كأنني أقف في منتصف أشور أو نينوى , يا لعظمة هؤلاء القدماء!.


فقدت الإحساس بالحذاء الذي قد أدمى قدمي وترك ندوبا عميقة لم أدرك أنها تنزف حتى غادرت المتحف بإتجاه المتحف الأخر ... تذكرت أنني أيضا لم ألتقط أي صور لي أمام هذه البوابة! ولكنني سأعود مجددا وحتما!.







الصور هي لبوابة عشتر من متحف البيرقامون ببرلين ...
Pergamon Museum , Babylon



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق