الجمعة، 23 أكتوبر، 2015

نيفرتيتي

خلال زيارتي لأجمل مايوجد في برلين , متاحفها بالطبع , زرت المتحف الخاص بالأثار الفرعونية , أحد أقدم الحضارات الموثقّة على وجه الأرض , وبؤرة للحضارة الإنسانية المعاصرة , المليئة بالألغاز , الألوان , والفنون ..

منذ صغر سني وأنا أبحث في الكتب والمجلات عن كل مايتعلق بالحضارة الفرعونية , كأقدم نظام سياسي , إقتصادي , ديني , متطور بطريقة يصعب القول أنها سبقت زمنها بوقت طويل , كان الحرف واللون هدية الحضارة الفرعونية للعالم ..

وكالعديد من الحضارات القديمة , كانت للمرأة حضور خاص , حضور قوي , حضور غامض , وتبدو العديد من الأساطير حول الملكات الفرعونيات و الشخصيات المهمة من النساء مشوهة , مضببة , يبدو أن ما نعتقد أنه نتيجة النظام الرأس مالي , يعود لعصور أقدم بكثير , صراع المرأة بجانب الرجل , وضد الرجل , هو صراع منذ وجود أول نوعين من البشر , الأنثى والذكر .

 المتحف محاط بالموميائات المحفوظة بشكل جيد , يصعب للحظة تصديق أن هؤلاء الناس إستطاعو تخليد العظام والأنسجة لألاف السنين , في العديد من تقاليدهم المتعلقة بالموت , بإعتباره الحقيقة الوحيدة حول الحياة .

من أكثر مالفت إنتباهي هي الأواني الذهبية , الألوان الزرقاء والحمراء والصفراء , الفروق في النحت وأنواع الأحجار المستعملة , ربما معلوماتي المحدودة لم تكن لتمدد , ولكن مارتن هو عالم جيولوجي , ومختص في الحفر ويحمل شغفا خاصا بالأحجار والبناء , وشرح لي الكثير عن أنواع المواد ومصادرها , وكأن الكثير مما نعرفه , يرجع لمصر , أم الدنيا التي نعرفها جميعا .

أمشي خلال الممرات وأنا في حالة من الإنسجام مع كل شيء , بطريقة ما , نحن البشر لم نتغير كثيرا عن ذلك العصر ...

في أحد الممرات إلى غرفة بجدران مرتفعة , لاتوجد إلا الأسقف الزجاجية , ويوجد صندوق زجاجي , لافتات تحمل تنبيهات بأن التصوير الفوتوغرافي ممنوع , لم أعرف من في هذه الغرفة , إنها نيفرتيتي!

نيفرتيتي هي زوجة الفرعون أخناتون , العائلة الثامنة عشر من الفراعنة الذين كانو يحكمون مصر , عند إقترابي من التمثال نسيت وجود الناس من حولي , نسيت كل شيء , وعشت لحظة تحقيق حلم صغير منذ سنوات! أن أرى هذا التمثال البديع , الذي يبلغ عمره 3300 سنة!! تفاصيل الوجه , العينين , الزينة , النقوش على الرأس وعلى الرقبة , الدقة المتناهية! الفراعنة شعب فنان!.

كل ما أعرفه عن نيفرتيتي هي أنها أحد أقوى نساء الحضارة الفرعونية , ومن قوتها وسلطتها تم تشويه معظم المنحوتات التي تحمل وجهها بعد وفاتها , كنوع من الرفض على وجود إمرأة كقوة حاكمة في مصر الفرعونية  , الكثير عنها يبدو غير معروف , بل الكثير من النظريات تقول بأن نيفرتيتي كتبت تاريخها و وضعت شواهد مزورة عن عظمتها التي لم تكن تبدو كذلك .. ومهما بدى حجم الإختلاف , إنها إمرأة عبرت التاريخ منذ الف وثلاثمئة عام قبل ميلاد المسيح , وحتى يومنا هذا .

عثر على هذا التمثال سنة 1912 من قبل عالم الأثار الألماني لودفيج بورشاردت , وأحضره لألمانيا معه , وبقي  التمثال في ألمانيا منذ ذلك الوقت .. بعض التاريخ يقول أنه هرّب التمثال إلى ألمانيا إلى جانب العديد من الأثار الفرعونية بسريّة تامة , أعتقد أن سرقته للتمثال كانت سرقة جيدة! فهو ساهم في الحفاظ عليه بشكل جيد وساهم في وصوله إلى ألمانيا بدون أي خدوش , أو أي ضرر .


أمسكت دفتري وسارعت في تدوين كل أفكاري حول نيفرتيتي , مصر , أم الدنيا , الذهب , الألهة التي تتوالد كالبشر تماما! صغر حجم الفراعنة  , أدواتهم الطبية , الحروف الهيروقليفية , الشعر المستعار , الصور , وحتى الدمى التي كان يلعب بها الأطفال..


مجددا , الحجر يحمل جزءا كبيرا من الحياة , والخلود ... فهو ماوجد قبل البشر , وهو على الأرجح ماسيوجد بعدهم!.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق